ابن عساكر

215

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

حدث الحافظ ابن عساكر بسنده عن بعض مشايخ المصريين « 1 » : أنّ أحمد المعروف بابن طولون ، ذكروا أن طولون تبناه [ لديانته ، وحسن صوته بالقرآن ] « 2 » ، وأنه لم يكن ابنه وأنه كان ظاهر النجابة من صغره . وكان له بأهل الحاجات عناية . وكان أبدا يسأله فيهم ، فيعجب بذلك منه ، ويزداد بصيرة فيه ، وأنه دخل إليه يوما ، فقال له : ما لك ؟ فقال : بالباب قوم ضعفاء ، لو كتبت لهم بشيء . فقال : امض إلى موضع كذا لطاقة في بعض مقاصير القصر ، فهنالك قرطاس تأتيني به حتى أكتب لهم بما رغبت فيه ، فنهض إلى ذلك الموضع فوجد في طريقه في بعض تلك المقاصير حظية من حظايا الأمير ، وقد خلا بها بعض الخدم ، فسكت ، وأخذ حاجته وانصرف إليه ، فكتب له وخرج ، وخشيت الحظيّة أن يسبقها بالقول ، فأقبلت إلى الأمير من فورها ، فأخبرته أن أحمد قد راودها عن نفسها ، وذكرت له المكان الذي وجدها فيه ، فوقع في نفسه صدقها من أجل إرساله إياه إلى ذلك الموضع ، والرؤساء يفقدون عقولهم عند أقل شيء يسمعونه في الرئاسة أو في الحرم ، وقلما يثبتون عندهما . فلما انصرف أحمد كتب له كتابا إلى أحد خدمه يأمره فيه بقتل حامل الكتاب دون مشاورة « 3 » ، وأرسل أحمد به فخرج أحمد مسرعا بالكتاب . ورأته الحظية في بعض مجالسها فاستدعته ، فأخبرها أنه مشغول بحاجة وأنه كلفه إياها الأمير ، وأراها الكتاب ، وهو لا يدري ما فيه . فقالت : لا عليك ، أنا أرسل به ، واقعد أنت فإني أحتاج إليك ، واستدعت ذلك الخادم ، فأرسلته بالكتاب إلى المأمور بحمله إليه ، وشغلت هي أحمد بكتاب شيء بين يديها ، وإنما شغلته ليزيد حنق السيد عليه « 4 » ، ونهض ذلك الخادم بالكتاب فامتثل فيه الأمر وأرسل بالرأس إليه ، فلما رآه سأل عن أحمد ، فاستدعاه ، وقال : أخبرني بالصدق ، ما الذي رأيت في طريقك إلى الموضع الذي أرسلتك إليه غير القرطاس . فقال : ما رأيت شيئا . فقال : واللّه إن لم تخبرني لأقتلنك . فأخبره . وسمعت الحظيّة بقتل الخادم ، فجرت إلى مولاها مرنبة « 5 » ذليلة تطلب العفو ، وهي تظن أن الأمر قد صحّ عند

--> ( 1 ) الخبر رواه ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 421 - 422 ( ط دار الفكر ) نقلا عن ابن عساكر . ( 2 ) زيادة عن البداية والنهاية . ( 3 ) في البداية والنهاية : ساعة وصول حامل هذا الكتاب إليك تضرب عنقه وابعث برأسه سريعا إليّ . ( 4 ) في البداية والنهاية : وظنت أن به جائزة تريد أن تخص بها الخادم . ( 5 ) كذا في مختصر ابن منظور .